حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
242
شاهنامه ( الشاهنامه )
فضرب يده إلى خفه ، واستل منه خنجرا كان لا يفارقه ، ووثب ووقف على الباب ، وقال : أنا بيژن بن جيو . وأنت تعلم رجوليتى ، وتعرف أهل بيتي وعشيرتي . ولا تقدر أن تصل الىّ إلا بعد أن اقتل منكم خلقا كثيرا . فاسلك معي طريق الفتوّة واحلف لي على أنك تحملني إلى حضرة الملك وتشفع فىّ اليه وتستوهبه دمى . فأجابه إلى ذلك وحلف له . فلما أمكنه من نفسه كتفه وحمله إلى حضرة أفراسياب . فأمر بأن ينصب جذع على باب إيوانه ويصلب عليه . وهو يبكى ويتضرع إلى اللّه عز وجل . شفاعة بيران عند أفراسياب في الإبقاء على بيژن حيا فلما خرجوا به من الإيوان إلى الميدان وأخذوا في نصب الجذع لصلبه طلع بيران قاصدا إلى حضرة الملك . فلما دخل الميدان رأى الأتراك يلغطون ويموج بعضهم في بعض ، ورأى هناك جذعا منصوبا وعليه حبل متدل . فسأل فأعلم بالحال ، فأسرع إلى بيژن ووقف عليه ورق لشبابه الناضر وجماله الباهر ، فاستخبره عن حاله وعن السبب الذي أوقعه في تلك المحنة . فشرح له قصته من أوّلها إلى آخرها . فدخل على الملك وخدم واقفا عند تخته حتى خلا المجلس فتقدّم اليه ولا لاطفه في الكلام . ثم قال : أيها الملك ! لا يخفى عليك ما أصابنا بسبب دم سياوخش . ونحن إلى الآن في عقابيله ، ولم نتخلص من مكروهه . فلا تضاعف العداوة والشحناء في قلوب الإيرانيين بقتل بيژن بل استبقه واحبسه في قعر مظلمة لا يخرج منها إلى الممات . » ولم يزل به حتى لانت عريكته ، وأسمح لما أشار به قرونته إلقاء أفراسياب بيژن في السجن وقال لأخيه كرسيوز : غله بأغلال ثقيلة وقيده بقيود وثيقة ، وألقه في بئر مظلمة لا يسقط فيها ضوء شمس ولا قمر . ثم اجترّ بالفيلة الحجر الذي استخرجه أكوان الجنىّ من بحر الصين ، وسدّ به رأس البئر ، واتركه فيها إلى أن يموت . وإذا فرغت من ذلك فادخل على منيژه التي سوّدت وجهي بين الملوك وهتكت سترى بين الخلق ، فانتهب خزائنها وأطلق أيدي أصحابك فيها ، ثم جرها وأخرجها إلى الصحراء فاتركها عند مطمورة صاحبها لتلازمها ذليلة مهينة . » فبادر كرسيوز إلى امتثال ما أمره به الملك ، وأثقل بيژن بالأغلال والقيود والسلاسل من الرأس إلى القدم ، وطرحه في الجب ، وغطى رأسه بذلك الحجر ، ودخل على ابنه أخيه ، ونهب جميع ما عندها واستلبها تاجها وزينتها ، وجرّها بقرونها ، وأخرجها من المدينة ، كما أمره أخوه . فجاءت إلى رأس البئر التي فيها بيژن . وكانت في الحجر ثقبة تدخل فيها اليد . فكانت تدور طول نهارها تسأل على الأبواب والدكاكين ، وترجع بما تجمعه من السكر إلى رأس الجب ، وترميها إلى بيژن ، وتبيت عنده على رأس الجب تبكى . ولم يزل ذلك دأبها إلى أن فرج اللّه عنهما ، على ما سيأتي ذكره .